ملا محمد مهدي النراقي

268

جامع السعادات

العلم بجميع ما يقتضيه جلال الله وعظمته ، والعلم بأنه مطلع على السرائر وخطرات القلب ، وإن دقت وخفيت . وهذه المعارف إذا حصلت يقينا ، انبعثت منها - بضرورة - حالة تسمى بالحياء . فصل طريق تحصيل المعاني الباطنة إعلم أن العلاج في تحصيل المعاني الباطنة المذكورة ، أعني الحضور والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء ، هو تحصيل أسباب هذه المعاني ، وقد عرفت أسبابها . وطريق العلاج في تحصيل هذه الأسباب إنما يتم بأمرين : الأول - معرفة الله ، ومعرفة جلاله وعظمته واستناد الكل إليه ، ومعرفة كونه عالما بذرات العالم وبسرائر العباد . ويلزم أن تكون هذه المعرفة يقينية ، ليترتب عليها الأثر . إذ ما لم يحصل اليقين بأمر ، لا يحصل التشمر في طلبه والهرب عنه . وهذه المعرفة هي المعبر عنها بالإيمان . ولا ريب في كونها موجبة لحصول المعاني المذكورة وأسبابها . إذ المؤمن يكون البتة حاضر القلب مع ربه عند مناجاته ، وتفهما لما يسأله عنه ، معظما له ، وخائفا منه ، وراجيا منه ، ومستحييا من تقصيره . الثاني - فراغ القلب ، وخلوه من مشاغل الدنيا . فإن انفكاك المؤمن العارف ، المتيقن بالله وبجلاله وعظمته ، وباطلاعه عليه من المعاني المذكورة في صلاته ، لا سبب له إلا تفرق الفكر ، وتقسم الخاطر ، وغيبة القلب عن المناجاة ، والغفلة عن الصلاة ، ولا تلهي عن الصلاة إلا الخواطر الردية الشاغلة . فالدواء في إحضار القلب هو دفع كل تلك الخواطر ، ولا يدفع الشئ إلا بدفع سببه . وسبب توارد الخواطر ، إما أن يكون أمرا خارجا ، أو أمرا في ذاته باطنا . والأول : ما يظهر للبصر ، أو يقرع على السمع . فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه ، ويتصرف فيه ثم ينجر منه الفكر إلى غيره ، ويتسلسل فيكون الإبصار أو الاستماع سببا للافتكار ، ثم يصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض . ومن قويت رتبته وعلت همته ، لم يلهه ما يجري